السيد محمد حسين فضل الله
94
من وحي القرآن
الطبيعية ، فيعتبرها قذرا وخباثة وحراما . . . من موقع الفكرة التي ترفض ماديات الحياة جملة وتفصيلا ، وتدعو إلى السموّ نحو روحياتها . . . ولا ينجذب إلى هذه الحاجات فيعتبرها قيمة وطموحا وهدفا ، بل يقف بين هذا وذاك ، فيراها حاجة طبيعية يحفظ بها جسده ، ويصون بها حياته ، فيمارسها في نطاق الحدود التي فرضها اللَّه ورسمها لعباده ، فيميز بين ما يفسد الحياة من حوله فيتركه ، وبين ما يصلحها أو لا يسيء إليها فيفعله ، وذلك هو خط هذه الآيات . * * * الله جميل يحب الجمال * يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ إنّ اللَّه جميل يحبّ الجمال والتجمّل ، ويبغض البؤس والتباؤس ، وإن اللَّه إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته عنده . هكذا جاء في الكلمات المأثورة عن بعض أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، وروي عن « خيثمة بن أبي خيثمة قال : كان الحسن بن علي عليه السّلام إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه ، فقيل له : يا بن رسول اللَّه لم تلبس أجود ثيابك ؟ فقال : إن اللَّه تعالى جميل يحبّ الجمال فأتجمّل لربي ، وهو يقول : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، فأحب أن ألبس أجود ثيابي » « 1 » . استيحاء من هذه الآية التي توجه الناس إلى أن يأخذوا زينتهم من اللباس والطيب ووسائل التجمّل . . . في كل مسجد ، وهو المكان الذي يجتمع فيه الناس للصلاة ، حيث يمثل الاجتماع فيه مظهرا من مظاهر حياة المسلمين الاجتماعية ؛ لذا أراد اللَّه لهم أن يخرجوا إليه بزينتهم ، وبشكل جميل طيب يعكس المظهر الحضاري للإنسان المسلم مقابل مظاهر التخلف التي كانت
--> ( 1 ) تفسير البرهان ، ج : 2 ، ص : 10 .